
في الحج يلبس الناس لباسا واحدا لا يعرف التفرقة بين الطبقات المستعارة، ولا بين الألقاب المجوفة، فلا تكاد تميز بين أمير ومأمور، وكبير وصغير، ورئيس ومرءوس، ووجيه ومغمور.
لبيك اللهم لبيك، كلمات معاهدة بين الله وعبده، ألا يخلد لحياته على سابق عهدها قبل الحج، بل يجب عليه أن يبدأ العمل وفق منظومة جديدة قوامها الطاعة والاستقامة.
إذا كانت الحياة - من وجهة نظر الدنيويين - تقوم على المادة والجاه وغيرهما، في محاولة لتحقيق الراحة والطمأنينة والسعادة المؤقتة، فإنها من وجهة نظر الإسلام تقوم أولا على العبودية لله، وإفراده بالوحدانية التي ترتقي بالإنسان روحا، وتحقق أمنه النفسي وسعادته الأبدية.
والحج يأتي في مقدمة الشعائر التي تورث المؤمنين التقوى والورع والزهد، ولعل الوقوف بعرفة، وهو الركن الأساس في الحج يدشن هذه المعاني الرائعة، فقد جاء في الحديث: الحج عرفة (رواه أحمد وأبو داود والترمذي)، فمن فاته الوقوف فقد فاته الحج.
فكم وقفت بساحة عرفات جموع، وسالت على صعيده دموع، وتعارف عليه الناس، وذابت على ثراه الأجناس، وقُبِلَ ضعيفٌ، ورُد شديد المراس، كم تعانقت فوقه قلوب، وفرجت شدائد وكروب، ومحيت أوزار وذنوب. كم امتزجت فيه دموع المذنبين، واختلطت رغبات الراغبين، وتداخلت أصوات المستغفرين.. كم خلصت عليه النيات، وسالت على حصبائه العبرات، وذل أهل الأرض لخالق الأرض والسموات.
فقد وقف الحجاج في كل مشعر
يلبون للرحمن يدعونه ربـا
وقـد جمع الله القلوب عزيـزة
على عرفات فامتلأت حبـا
وإذا تأملنا في حديثه صلى الله عليه وسلم الحج عرفة واستحضرنا موقف الناس في هذه البقعة المباركة، فإننا نجد فيه الكثير من المعاني السامية والمثل الرفيعة والقيم السامقة التي جاء بها الدين الحنيف، ومنها:
تجسيد لمعنى الأمة الواحدة
حيث يجتمع الناس في صعيد واحد، يتجهون إلى رب واحد، ويسألونه ويتضرعون إليه في وقت واحد، ولسان حالهم يردد قول الله تعالى: {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون} (الأنبياء: 92) إن هذه أمتكم، أمة الأنبياء، أمة واحدة، تدين بعقيدة واحدة، وتنهج نهجا واحدا، وهو الاتجاه إلى الله دون سواه. أمة واحدة في الأرض، ورب واحد في السماء، لا إله غيره، ولا معبود إلا هو.. أمة واحدة وفق سنة واحدة (في ظلال القرآن).
وفى هذا التجمع العظيم وفى هذا المؤتمر الموسع يناقش المسلمون قضاياهم وهمومهم، ويتباحثون في شتى أمورهم السياسية والاقتصادية والثقافية والتجارية، ويتحاورون في المشاكل الفكرية والاجتماعية وصولا إلى الحلول الصحيحة، وإلى وحدة تكفل لهم القوة والاتحاد، فتعود للأمة الإسلامية عزتها ومكانتها وأمجادها وصدارتها في مقدمة الأمم: {كنتم خير أمة أُخْرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} (آل عمران: 110).
إنه المكان الذي يجمع علماء السياسة والاجتماع والاقتصاد والشريعة والفلك والطب والهندسة والبرمجيات.. وغيرها من العلوم، فإذا بعقل الأمة الجمعي يتكون حينما يجتمع كل أهل فن واختصاص فيقررون للأمة سياستها، ويرسمون لها منهاجها، فلا تزال الدنيا جميعها تسمع صوت الإسلام عاليا نديا عادلا أبدا.
وفي ذلك المكان تجد الأبيض والأسود
المزيد