فهمي هويدي يكتب: أنفلونزا الإسفاف اللفظي

كتبهاد محمد عباس ، في 27 يونيو 2009 الساعة: 22:55 م

أنفلونزا الإسفاف اللفظي القاهرة - محرر مصراوى - أكد الكاتب الصحفي فهمي هويدي فى مقاله بصحيفة "الرؤية" الكويتية ان مستوى لغة الحوار بين المصريين سواء في وسائل الاعلام او فيما بينهم قد انحدر بصورة غير مسبوقة وأصبحنا بصدد ظاهرة تداخل فيها الفلتان مع التحلل، أسفرت عن غياب الضوابط وانهيار تقاليد وآداب الخطاب ، مشيرا في الي أن انقطاع سبل الحوار الرشيد بين السلطة والمجتمع، وبين فئات المجتمع بعضها مع بعض أسهم في ذلك التدهور.

وفيما يلي نص مقال هويدي:

تلقيت رسالة مسكونة بالاستهجان والغضب من قارئة “صُدمت” حينما تابعت التعليقات غير اللائقة التي صدرت أثناء مناقشة البرنامج التلفزيوني “القاهرة اليوم” لما نسب إلى المنتخب المصري لكرة القدم من ممارسات ليلة فوزه على إيطاليا.

قالت صاحبة الرسالة إن شعورا بالقرف والخجل انتابها حين تابعت مع أولادها حلقة البرنامج، لأن المفردات والمصطلحات التي استخدمت في الحوار الذي دار حول الموضوع هبطت بمستواه وجاءت جارحة للذوق والحياء العام.

هذا الانطباع سمعته من آخرين أعرفهم، لكنني لا أخفي أنني لم أفاجأ به كثيرا.

صحيح أن دائرة الاستياء كانت كبيرة لأن البرنامج واسع الانتشار ومقدمه ذائع الصيت، لكنني تعاملت مع الواقعة باعتبارها من تجليات ظاهرة التدهور في الأداء الإعلامي بوجه عام. ويحزنني أن أقول إن ذلك التدهور يعكس تدنيا مماثلا في لغة التعامل والحوار في مجالات أخرى.

وقد وقعت على رسم كاريكاتوري معبر عن هذا المعنى نشرته صحيفة “الوفد” يوم الأربعاء الماضي 6/24، ظهر فيه مراسل إذاعي وهو يخاطب مقدم برنامج “القاهرة اليوم” قائلا له: يبدو أنك من المواظبين على متابعة جلسات مجلس الشعب التي عقدت في الآونة الأخيرة (وهي الجلسات التي تبادل فيها بعض أعضاء المجلس عبارات غير لائقة في التراشق اللفظي فيما بينهم).

إذا جاز لي أن أضيف شيئا إلى ذلك التعليق، فلعلي أقول إن صاحبنا ربما كان أيضا من مشاهدي الأفلام السينمائية الجديدة الحافلة بالعبارات النابية، ومن الحريصين على قراءة الصحف اليومية، التي أصبح بعضها مدرسة تلقن الناس أساليب الإسفاف والانحطاط في التعامل مع المفردات والمعاني. ولست أخفي من جانبي أن الصدمة التي استشعرتها القارئة حين جرحت أذنيها الكلمات التي سمعتها في البرنامج التلفزيوني، باتت تنتابني حين تقع عيناي على لغة الحوار بين الزملاء المشتبكين في بعض الصحف. ومما له دلالته في هذا الصدد أن من بين تلك الصحف ما هو محسوب على أجنحة الحزب الحاكم ورموزه، الأمر الذي يعني أن تلك اللغة الهابطة تحظى بالقبول والمباركة من بعض قيادات الحزب على الأقل.

لا يقف الأمر عند هذا الحد، لأننا إذا وسعنا من زاوية الرؤية، بحيث لا يقتصر تركيزنا على ما تتداوله وسائل الإعلام رغم أنها الأكثر ظهورا والأقوى تأثيرا فستكون المفاجأة أكبر. فإذا تابعنا مثلا مستوى الحوار والتراشق اللفظي السائد في الجمعيات العمومية لبعض النقابات المهنية أو النوادي الرياضية، أو حتى بعض المؤسسات الاقتصادية، فسوف نكتشف أن البلاء أعم كثيرا مما نتصور، وإذا استخدمنا مفردات المرحلة فذلك يسمح لنا بأن نقول إن “أنفلونزا الإسفاف اللفظي” قد توطنت في مصر خلال السنوات الأخيرة. وما سمعه البعض في البرنامج التليفزيوني وما يصادفهم في غير ذلك من مجالات العمل العام هو مجرد أعراض لذلك الوباء، الذي استنبتناه في الداخل ولم يفد إلينا من الخارج.

هل نذهب بعيدا إذا قلنا إننا بصدد ظاهرة تداخل فيها الفلتان مع التحلل، أسفرت عن غياب الضوابط وانهيار تقاليد وآداب الخطاب؟.. وهل يجوز لنا أن نقول إن انقطاع سبل الحوار الرشيد بين السلطة والمجتمع، وبين فئات المجتمع بعضها مع بعض أسهم في ذلك التدهور؟.. وهل نذهب في تفسير الظاهرة مذهب عبدالرحمن الكواكبي في كتابه عن “طبائع الاستبداد” حين حمّل الاستبداد المسؤولية عن التدهور الذي يصيب علاقات الناس وأخلاقهم؟

يحتاج الأمر إلى دراسة معمقة. ربما اهتدينا فيها بمقولة ابن حزم إن اعوجاج اللسان علامة على اعوجاج الحال، الأمر الذي يدفعنا إلى سبر أغوار المشكلة. بما يمكننا من البحث عن حقيقة الذي اعوج في حالنا حتى اعوجت ألسنتنا وتدهور مستوى خطابنا، حتى صرنا نخجل من أنفسنا.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قضايا | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

16 تعليق على “فهمي هويدي يكتب: أنفلونزا الإسفاف اللفظي”

  1. وفى العالم العربى كلّه !!

    قلة الادب مش حكر على مصر يعنى !!

    بالدخول على اى منتدى عربى ..ولا شات عام فى اى مكان ع النت ..حتلاقى لساننا - الا من رحم ربى - بقى زى الزفت !!

    وعلى فكرة

    فى الغرب كمان !!

    فبلاش بقى نبرة الاستعلاء الممجوجة الفاقدة للمصداقية بصراحة من الاستاذ فهمى هويدى .

  2. امسي الاول وبعدين راجعة
    مساء الفل لك وللرائع فهمي هويدي

  3. اخي دكتور محمد (أنفلونزا الإسفاف اللفظي)فيروس تعاني منه كل الامة بالفعل هي مشكلة امة ..
    الآن فمت الحالة التي نعاني منها بعد قراءتي لإدراجك هذا
    صدق والله ابن حزم (بمقولة ابن حزم إن اعوجاج اللسان علامة على اعوجاج الحال،) شكرا لك وشكرا للرائع فهمي هويدي فقد شخص لي الحالة ولم تعد لغزا يحيرني..

  4. اخى عادل حجازى
    لم هذه الحساسيه؟
    الرجل يحاول تشخيص الحاله
    وجاء ذكر مصر بالخصوص علشان برنامج القاهرة اليوم وما قاله عمرو اديب
    ومعروف ان فهمى هويدى رجل محايد وكاتب من الوزن التقيل

  5. الاخت الغاليه نجاح ابو الرب
    انما الامم الاخلاق ما بقيت
    فان هم ذهبت اخلاقهم ذهبوا
    قالها احمد شوقمى من زمن بعيد
    وصدق والله الشاعر
    وقبل هذا وذاك
    ما قاله ربى تبارك وتعالى
    (ومايلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد)
    صدق الله العضيم

  6. صباح الخير
    الكلام ده اصبح واقع مؤلم بالفعل
    المشكلة انه بينتشر بالتدريج وببساطة شديدة
    لدرجة ان اللى بيتكلم عادى بقى هو اللى مش عادى فى الزمن ده
    مش عارفة الموضوع ده ممكن يتحل ازاى
    تحياتى لاختيارك المقال

  7. استاذى
    عودا حميدااا

    للاسف الموضوع ده انا ملاحظاه منذ زمن

    بس عمرو اديب هو اللى اوضح للناس اكثر

    تدهور ودنو المستوى فى الالفاظ ولغه الحوار للاسف

    ليتهم يعالجون المواضيع العامه دى بروقى

    وحكمه اكثروبلا تهور فى الاحاديث

    تحياتى لك موضوع حى وشائك فعلا

    ربنا يرزقنا جميعا الاخلاق الحميده

    تقبل مرورى

    روح الندى

  8. د.محمد

    اولا تحياتي لك وعودة الى واحتك بعد غياب

    حقيقة كنت ساكتب عن سوقية عمرو أديب في الحديث عن المنتخب المصري بعد واقعة الفتدق

    لكن تجنبا لأي حساسيات تخليت عن الفكرة

    الواقع انني تفاجأت كيف باعلامي مثل اديب ذائع الصيت ان يكون على تلك الدرجة من السوقية،فتعليقات من شاكلة المنتخب كان نجس،وهي دي الناس اللي بتصلي،وغيرها من الكلام الأفظع الذي لا يتسع المجال لذكرها في بيتك المحترم.

    لكن يبدو أن الأمر أصبح موضة

    تحياتي لك دكتور

  9. احبائى
    الاخت روح الندى
    والاخ يوسف

    سعدت ايما سعادة بتواجدكم الكريم جدا فى بيتى المتواضع الذى هو اساسا بيتكم
    واحمد الله ان عدت اليكم بعد غيبة لظروف صحية عابرة
    وهالنى طبعا كما هالكم كم المرادفات الفوية السوقيه التى وردت على لسان عمرو اديب
    ولم اجد اوزن من رد الاستاذ فهمى
    لانه ناقد موزون وتعجبنى اراؤه المعتدلة بدون انفعال
    وجزاكم الله خير الجزاء ان دلوتم بدلوكم فى الموضوع الذى هو جدير فعلا بالنقاش

  10. مساء الخير اخي الغالي..
    مرور لتفقدك أحسن ترجع تقلي يا وحشة)
    عساك بخير واين جديدك!!
    صاير كسوووووووول شو القصة!

  11. اخي د محمد عباس : اعجبني العنوان : انفلونزا الاسفاف اللفظي ,,,,, رائع هو د فهمي هويدي ,,,
    وان مبدع اذ نقلته بحذافيره ,,,,
    نحن في عالم مصاب بهذه الانفلونزا ,,,,
    والله المستعان ,,,,
    دمت ودام التواصل والاخاء ,,,
    تحياتي لك عزيزي ,,,

  12. اخي دكتور محمد عباس صباح الخير والعافية..
    ألف سلامة عليك..
    يا رب تكون بخير وبصحة ..انت خير اخ اشكر مكتوب الذي جمعني فيك..
    طمني عنك ..

  13. الحمد لله انك بخير..
    يا رب تكون دايما بخير فأنت تستحقه..
    لك مني كل التقدير والإحترام

  14. جميل ما كتب والاجمل نقلكم له
    اشتقت لمداعبة مدونتك اخي الدكتور الجميل

    دمت بود

  15. -
    نصف الفتى لسانه …. و ما تبقى من لحم و دم ..

    لو أدرك المجتمع أن العلة في اللسـان لاستقام كل شيء

    و لكن هيهااات …

    ــــــ

    فكر نيّرٌ هنــا و كثير من الزمرد

    ودي لأخـــي ..

    -

  16. الفاضل الدكتور محمد
    تحية عربية وبعد
    موضوع جميل …الحق ان الواعظ الذاتي قد قل هذه الايام للاسف فان كان لا يوجد نصوص قانونية تحاسب فالبعض يعتقد ان بامكانه ان يقول ما يشاء …طبعا تحت غطاء حرية الكلمة وتناسى ان حريته تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين…
    نسأل الله الهداية لنا جميعا
    كل الود



اكتب تعليــقك

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من التعليق